فخر الدين الرازي
429
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كونه قرآنا كريما وهم ما كانوا يقرون به وثانيهما : وهو أحسن من الأول ، أنهم قالوا : هو مخترع من عنده وكان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقول : إنه مسموع سمعته وتلوته عليكم فما كان القرآن عندهم مقروءا ، وما كانوا يقولون : إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يقرأ القرآن وفرق بين القراءة والإنشاء ، فلما قال : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ أثبت كونه مقروءا على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ليقرأ ويتلى فقال تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ سماه قرآنا لكثرة ما قرئ ، ويقرأ إلى الأبد بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة . المسألة الرابعة : قوله : كَرِيمٌ فيه لطيفة ؟ وهي أن الكلام إذا قرئ كثيرا يهون في الأعين والآذان ، ولهذا ترى من قال : شيئا في مجلس الملوك لا يذكره ثانيا ، ولو قيل فيه : يقال لقائله لم تكرر هذا ، ثم إنه تعالى لما قال : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ أي مقروء قرئ ويقرأ ، قال : كَرِيمٌ أي لا يهون بكثرة التلاوة ويبقى أبد الدهر كالكلام الغض والحديث الطري ، ومن هنا يقع أن وصف القرآن بالحديث مع أنه قديم يستمد من هذا مددا فهو قديم يسمعه السامعون كأنه كلام الساعة ، وما قرع سمع الجماعة لأن الملائكة الذين علموه قبل النبي بألوف من السنين إذا سمعوه من أحدنا يتلذذون به التذاذ السامع بكلام جديد لم يذكر له من قبل ، والكريم اسم جامع لصفات المدح ، قيل : الكريم هو الذي كان طاهر الأصل ظاهر الفضل ، حتى إن من أصله غير زكي لا يقال له كريم مطلقا ، بل يقال له : كريم في نفسه ، ومن يكون زكي الأصل غير زكي النفس لا يقال له : كريم إلا مع تقييد ، فيقال : هو كريم الأصل لكنه خسيس في نفسه ، ثم إن السخي المجرد هو الذي يكثر عطاؤه للناس ، أو يسهل عطاؤه ويسمى كريما ، وإن لم يكن له فضل آخر لا على الحقيقة ولكن ذلك لسبب ، وهو أن الناس يحبون من يعطيهم ، ويفرحون بمن يعطى أكثر مما يفرحون بغيره ، فإذا رأوا زاهدا أو عالما لا يسمونه كريما ، ويؤيد هذا أنهم إذا رأوا واحدا لا يطلب منهم شيئا يسمونه كريم النفس لمجرد تركه الاستعطاء لما أن الأخذ منهم صعب عليهم وهذا كله في العادة الرديئة ، وأما في الأصل فيقال : الكريم هو الذي استجمع فيه ما ينبغي من طهارة الأصل وظهور الفضل ، ويدل على هذا أن السخي في معاملته ينبغي أن لا يوجد منه ما يقال بسببه إنه لئيم ، فالقرآن أيضا كريم بمعنى طاهر الأصل ظاهر الفضل لفظه فصيح ، ومعناه صحيح لكن القرآن أيضا كريم على مفهوم العوام فإن كل من / طلب منه شيئا أعطاه ، فالفقيه يستدل به ويأخذ منه ، والحكيم يستمد به ويحتج به ، والأديب يستفيد منه ويتقوى به ، واللَّه تعالى وصف القرآن بكونه كريما ، وبكونه عزيزا ، وبكونه حكيما ، فلكونه كريما كل من أقبل عليه نال منه ما يريده فإن كثيرا من الناس لا يفهم من العلوم شيئا وإذا اشتغل بالقرآن سهل عليه حفظه ، وقلما يرى شخص يحفظ كتابا يقرؤه بحيث لا يغير منه كلمة بكلمة ، ولا يبدل حرفا بحرف وجميع القراء يقرءون القرآن من غير توقف ولا تبديل ، ولكونه عزيزا أن كل من يعرض عنه لا يبقى معه منه شيء ، بخلاف سائر الكتب ، فإن من قرأ كتابا وحفظه ثم تركه يتعلق بقلبه معناه حتى ينقله صحيحا ، والقرآن من تركه لا يبقى معه منه شيء لعزته ولا يثبت عند من لا يلزمه بالحفظ ، ولكونه حكيما من اشتغل به وأقبل عليه بالقلب أغناه عن سائر العلوم . وقوله تعالى : فِي كِتابٍ جعله شيئا مظروفا بكتاب فما ذلك ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : المظروف : القرآن ، أي هو قرآن في كتاب ، كما يقال : فلان رجل كريم في بيته ، لا يشك السامع أن مراد القائل : أنه في الدار قاعد ولا يريد به أنه كريم إذا كان في الدار ، وغير كريم إذا كان خارجا ولا يشك أيضا أنه لا يريد به أنه كريم في بيته ، بل المراد أنه رجل كريم وهو في البيت ، فكذلك هاهنا أن القرآن الكريم وهو في